حبيب الله الهاشمي الخوئي

166

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فقال : اصبر فانّ اللَّه سيجعل لك فرجا قال : ثمّ سكت ساعة ثمّ أقبل على الرجل فقال : أخبرني عن سجن الكوفة كيف هو فقال : أصلحك اللَّه ضيّق منتن وأهله بأسوء حال ، قال عليه السّلام : فانّما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة أما علمت أنّ الدّنيا سجن المؤمن ، إلى غير هذه ممّا لا نطيل بذكرها . فان قلت : ما معنى قوله في الحديث الأوّل الصّبر من الايمان بمنزلة الرّأس من الجسد قلت : لما كان قوام الجسد وتمامه وكماله إنّما هو بالرأس وبه يتمّ تصرّفاته ويتمكَّن من الآثار المترتّبة عليه لا جرم شبّه عليه السّلام الصّبر بالرّأس والايمان بالجسد لأنّ كمال الايمان وتمامه إنما هو به ، أمّا على القول بأنّ الايمان عبارة عن مجموع العقائد الحقّة والأعمال فواضح ، وأمّا على القول بأنّ العمل ليس جزء منه بل هو شرط الكمال فلأنّ الجسد إنّما يكمل بالرأس كما أنه يوجد بوجوه ، فوجه الشّبه هو وصف الكمال فقط ولا يجب في تشبيه شيء بشيء وجود جميع أوصاف المشبّه به في المشبّه . ولكنّ الظاهر من قوله : كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الايمان هو كون العمل هو جزء من الايمان المستلزم ذهابه لذهابه الَّا أن يراد منه الايمان بالكمال وقد تقدّم تحقيق الكلام فيه فيما سبق . ومما ذكرنا أيضا ظهر وجه ما روى عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله من أنّ الصبر نصف الايمان وذلك لأنّ الايمان إذا كان عبارة عن مجموع المعارف اليقينيّة الحقّة وعن العمل بمقتضى تلك المعارف ، فيكون حينئذ مركبا منهما ، ومعلوم أنّ العمل أعنى المواظبة على الطاعات والكفّ عن المعاصي لا يحصل إلَّا بالصبر على مشاقّ الطاعة لليقين بكونها نافعة ، وترك لذائذ المعصية لليقين بكونها ضارّة فعلى هذا الاعتبار يصحّ كونه نصف الايمان . وذكر الغزالي له وجها آخر محصّله أن يجعل المراد من الايمان الأحوال المشمئزة للأعمال وجميع ما يلاقي العبد ينقسم إلى ما ينفعه في الدّنيا والآخرة أو يضرّه فيهما ، وله بالإضافة إلى ما يضرّه حال الصبر ، وبالإضافة إلى ما ينفعه حال الشكر ، فيكون الصبر أحد شطرى الايمان كما أنّ الشكر شطره الاخر ولذلك